سلسلة بدايات العلماء

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

أما بعد

فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تسير الكائنات والأحداث في هذا الكون سيرا رُوَيْدًا وَفْقَ سُنَّة التدرُّجِ في النمو، والترقي في الحياة طَبَقًا بعد طَبَق، وطلب العلم الشرعي من المعاني الخاضعة لهذه السنة الإلهية، فلا يقع تحصيل المعارف، ولا تأسيس العلوم في نفس طالب العلم على سداد وتوفيق إلا بمراعاة سِمَةِ التدرُّجِ في الطَّلَب، والترقِّي في سُلَّمِ المعارف حتى يبلغ ذروة سنام علوم الشريعة ببلوغ مرتبة الاجتهاد؛ لهذا أُثِرَ عن ابن عباس – رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران ٧٩]: أنه قال: ((الرَّبَّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ))(١).

والترقي في طلب العلم يقتضي مراعاة البدء بالأهمِّ فالمهمِّ من مسائل كل فنٍّ، والعنايةَ بالمعارف المؤسِّسَةِ للعلوم قبل الانشغال بالجزئيات والتفاصيل؛ لهذا قال الإمام ابن مالك في ديباجة منظومته: ((أبنية الأفعال)):

فَهَـاكَ نَـظْـمًا مُحِيـطًا بِالْمُـهِـمِّ وَقَـدْ

يَحْـوِي التَّفَـاصِيلَ مَنْ يَسْتَحْـضِـرُ الْجُمَلاَ

فأشار ابن مالك – بحقٍّ – إلى ضرورة البدء في طلب العلم بالقضايا الأساس والمبادئ الأصول مع التصوُّرِ الإجماليِّ لقضايا كل فنٍّ من فنونِ الشريعةِ، قبل الانشغال بتحقيق فروع القضايا ودقيق المسائل.

كما أن طلب العلم يحتاج في مراحله الأولى إلى تذليل الصعاب التي قد تواجه شاديه؛ بتسهيل العبارة، والعناية بالجداول الجامعة والتشجيرات الحاصرة، والتأكيد على ارتسام الهيكل الناظم لفروع العلم في ذهن الطالب.

لهذه الأسباب مجتمعة تداعت البواعث في نفسي على نشر هذه السلسلة من النشرات العلمية التي تُعنَى بخدمة طالب العلم في مختلِفِ مراحل التحصيل.

وقد عنيت في هذه السلسلة بتحقيق عدَّة أهداف تعين الطالب على قوة تصور مسائل العلم، وحسن استحضار قضاياه؛ فجرى تصنيف هذه السلسلة وَفْقَ آلية تفضي إلى تحقيق هذه الأهداف؛ كان من أهم عناصرها:

(1) تسهيل لغة المعالجة ومراعاة التعبير الواضح المباشر عن الفكرة، حتى لا يجتمع على طالب العلم معاناةُ فكِّ العبارة ومعاناة فهم الفكرة.

(2) العناية بالجداول الجامعة والتشجيرات التي تعين على فهم الموضوع فهما كليا، وتيسر عليه الربط بين عناصره وقضاياه، مع قوة استحضاره الفروع والتفاصيل وقتما شاء.

(3) الجمع بين العناية بمتن علمي من المتون المعتمدة والأساسية في كل فن، مع اعتماد طريقة عصرية في المعالجة والشرح، لتحقيق اتصال الماضي بالحاضر، والأصالة بالمعاصرة.

(4) مزيد العناية بالتطبيقات العملية للقواعد النظرية؛ والأمثلة الموضِحَة لمقومات تنزيل القاعدة على مناطها؛ فإن قيمة الآلة في استعمالها في محلها، وإن تعطلت فات نفعها وبطلت جدواها.

(5) مزيد العناية بمسائل التمرين؛ في محاولة لتنمية الملَكة العلمية لطالب العلم؛ فإن مَلَكَة تنزيل القواعد على محلِّها هي ثمرة العلم المرجُوَّة، وفائدته المبتغاة.

وتنتظم هذه السلسلة ضمن عِقدٍ منظوم يضم مجموعة من سلاسل الطلب؛ فقد جاءت هذه السلسلة شرحًا على: ((سلسلة غراس))، وممهدة لما بعدها من الكتب المتوسطة في الفنون، والمخدومة ضمن: ((سلسلة الترقي))، ومن بعدها ((سلسلة الرسوخ))، لتكون شارعة إلى المطولات أوسع النوافذ.

والله تعالى من وراء القصد، يقول الحق وهو يهدي السبيل

الراجي عفو ربه

د: ياسر عجيل النشمي

المزيد